وسائل التواصل الإجتماعي: فرصة جديدة في عالم الإستثمارات

يمضي العالم اليوم بثورة تكنولوجية ضخمة تُطبق مفاعيلها بوتيرةٍ مُتسارعة جدًا، ما فرض على الإنسان وقطاعات العمل المُختلفة مواكبة هذا التيّار الجارف. وتمثّلت أبرز نتائج هذا التحوّل بظهور ما يُعرف بمُصطلح "إقتصاد المعرفة"، الذي يُعتبر من المُصطلحات الرائجة جدًا في وقتنا الحالي.

ولكن ما هو اقتصاد المعرفة؟ وبمَ تكمن أهميته! وكيف يُمكن استثمار هذا الاقتصاد الجديد؟ وما طبيعة العلاقة القائمة بينه وبين مواقع التواصل الاجتماعي؟

لمحة عن اقتصاد المعرفة

يتداخل الكثير من المصطلحات بمفهوم إقتصاد المعرفة، فهناك اقتصاد المعلومات، الاقتصاد المبني على المعرفة، اقتصاد الإنترنت، الإقتصاد الإلكتروني وغيرها...

وفي ظل تشابك هذه التسميات يُعرّف البنك الدولي اقتصاد المعرفة على أنّه الاقتصاد الذي يعتمد على اكتساب المعرفة وتوليدها ونشرها واستثمارها بفعالية لتحقيق تنمية اجتماعية واقتصادية مُتسارعة.

 

نحو تأسيس إقتصاد جديد

تُواجه مجالات العمل المُختلفة العديد من التحديّات الفعليّة في ظل حفنة من التبدّلات التكنولوجيّة والتقنيّة المُتسارعة. فإلى جانب العولمة، التسويق الإلكتروني والتجارة الإلكترونية، تغير السلوك البشري، بدءًا من طرق استقاء المعلومات وصولًا إلى طرق التسوّق وغيرها من الأمور.

وقد دفعت العوامل التي ذكرناها بعض الشركات والمؤسسات التجارية والإنتاجية للإستجابة إلى هذه التحوّلات عبر اتباع استراتيجيات جديدة للبقاء والاستمرار في هذا العالم الرقمي. من هنا، بدأت الأنظار تتوجّه نحو رأس المال المعرفي ومنه إلى الإستثمار المعرفي.

 

قوّة فعليّة لهذا الإقتصاد الجديد

وعلى الرغم من توفّر عامل المعرفة من قبل واللجوء إلى استخدامه في النشاطات الإقتصادية، تبرز الآن قوّة هذا المجال وتأثيره على الحياة الإقتصادية والإجتماعية وعلى طبيعة حياة الإنسان بشكل عام. فباتت الدول تهتمّ أكثر بهذا الحقل وتضعه في سلّم أولوياتها. إذ وُضعت خطط وطنية مُتكاملة ضمن فترة زمنية مُحددة للوصول إلى أهداف مُعينة، بهدف التخفيف من الفجوة المعرفية قدر المستطاع.

لذلك يُعتبر امتلاك عاملي العلم والمعرفة وتوظيفهما في النشاط الإقتصادي، من التوجهات الإستراتيجية للدول وخصوصًا الدول المُتقدمة والناشئة التي فهمت أهمية هذا المجال وقدرته على تحريك النمو الإقتصادي والمُنافسة العالمية، الأمر الذي يُشكّل مُعضلة حقيقية أمام الدول النامية، التي لديها خلل فعلي في بنيتها التكنولوجية والتقنية من جهة وفي العنصر البشري القادر على الإبتكار والإبداع من جهةٍ أخرى.

يُمكن إذا، انطلاقًا مما سبق، تشبيه ما يحصل بعملية بناء لاقتصاد جديد وقوي وهو اقتصاد المعرفة الذي يقوم بشكل رئيسي على عامل المعرفة.

 

الركائز الأساسية لهذا الإقتصاد:

يقوم اقتصاد المعرفة على عوامل عدة، منها:

  • الإبتكار: يقوم على فهم ومواكبة الثورة المعرفية الحاصلة، وملاءمتها للاحتياجات المحليّة.
  • التعليم: تقديم مناهج تعليمية تقوم على دمج التكنولوجيا والتقنيات وتكنولوجيا الإتصال بالمهارات الإبداعية.
  • البنية التحتيّة: تقوم على التكنولوجيا، التقنيات وتكنولوجيا الإتصال والمعلومات.
  • الحوافز: إتاحة التكنولوجيا وتكنولوجيا الإتصال والمعلومات وتقديم تسهيلات للحصول عليها خصوصًا على صعيد كلفتها.

وتجدر الإشارة إلى الدور الكبير الذي لعبه مجال الاتصالات السريعة والتكنولوجيا، وخصوصًا على صعيد الشبكة العنكبوتية. فهذا التطوّر تحديدًا ساهم في نقل الاقتصاد إلى مكانٍ آخر. ما أسفر عن ظهور اقتصاد المعرفة الذي يقوم بشكل رئيسي على تكنولوجيا المعلومات وهذا بدوره يُعطي  قيمة مُضافة للمعرفة. إذ تتحوّل المعلومات في هذه الحالة إلى سلعٍ ذات أهمية عالية.

 

العلاقة بين اقتصاد المعرفة ومواقع التواصل الإجتماعي

مُقارنةٌ سريعة بين أعداد مُستخدمي الإنترنت النشطين في السنوات الأخيرة تظهر نموًّا مُطَّرِدًا بشكل سنوي لهذه الأعداد بشكلٍ عام ولأعداد مُستخدمي وسائل التواصل الإجتماعي بشكلٍ خاص.

وتُظهر الإحصائيات الأخيرة انّ ما يُقارب 4.2 مليارات شخص يستخدمون الشبكة العنكبوتية. في وقتٍ وصلت أعداد مُستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي حول العالم إلى 3.4 مليارات شخص. كما تُشير التقارير الأخيرة إلى تحوّل سوق التجارة الإلكترونية إلى عامل جذبٍ كبيرٍ لمستخدمي الانترنت حول العالم، في ظل نمو حجم هذه التجارة والانفاق الاستهلاكي عليها.

لذلك انطلاقًا مما سبق، لم يعد من الممكن عدم الالتفات إلى التوافق القائم بين اقتصاد المعرفة وبين وسائل التواصل الإجتماعي وتوجّه الإعلانات نحو هذه المواقع. فخصائص اقتصاد المعرفة جعلت استثمار هذه الوسائط والمنصّات واقعًا قائمًا من جهة وضروريًا من الجهة أخرى لمعظم الصناعات وقطاعات الإنتاج.

فهناك رابط فعلي بين الأعمال التجارية والقطاعات الإنتاجية وبين وسائل التواصل الإجتماعي وكيفية استخدامها لزيادة المبيعات، المُشاركة والشُهرة. إذ مع ظهور مواقع التواصل الإجتماعي المختلفة (انستغرام، فيسبوك، تويتر...) عمدت المؤسسات التجارية والإعلامية إلى الاستفادة من هذه المنصّات الإفتراضية. فهذا النوع من الاستثمار يُفيد التسويق والإعلان بكلفة أقل، تحقيق إمكانيات أكبر، تحقيق جمهور أوسع، الحصول على استجابة سريعة وغيرها من الإيجابيات.

 

الإستثمار في وسائل التواصل الإجتماعي

مع تعاظم شهرة وأهمية مواقع التواصل الإجتماعي (فيسبوك، تويتر وانستغرام...) وارتفاع أعداد مُستخدميها، ارتأت المؤسسات التجارية والقطاعات الإنتاجية ضرورة استغلالها والاستفادة من سماتها. فعلى سبيل المثال لا الحصر هناك:

  • إنخفاض كلفة التسويق والإعلان.
  • تلقي رجع الصدى Feedback بشكل سريع.
  • تقييم مدى نجاح الحملات الإعلانية.
  • تحديد نقاط القوّة والضعف في الحملات.
  • تقسيم الجمهور وتحديد طبيعة التوزيع الجغرافي للجمهور المُستهدف.
  • زيادة الوعي بالعلامة التجارية وتحويل المشترين إلى متابعين (Followers).
  • جمع كميات هائلة من المعلومات والبيانات عن كل مُستخدمٍ.
  • رصد حركة المنافسين في الأسواق.
  • سرعة خدمة العملاء وإرضائهم.
  • توزيع المحتوى بشكلٍ فوري.

فكل هذه الأهداف يصعب تحقيقها بالوسائل التقليدية، حيث ترتفع كلفة قياس آراء الجمهور وتقسيمه إلى فئات بالإضافة إلى التعرّف على آراء الجمهور.

 

تأثيرات إقتصادية كبيرة لوسائل التواصل الإجتماعي

يُمكن حصر التأثيرات الإقتصادية لوسائل التواصل الإجتماعي بالنقاط التالية:

  • الانتقال إلى ما يُعرف بالاقتصاد الإفتراضي.
  • تحوّل المستهلك إلى شريكٍ فاعل في عملية تحديد طبيعة السلع المطلوبة.
  • تبدّل وسائل الترويج لمصحلة وسائل التواصل الإجتماعي.
  • انتشار مفهوم السلع العابرة للحدود.
  • التواصل مع المستهلكين والتعامل معهم من خلال منصّات وسائل التواصل الإجتماعي.

نتيجة لذلك، برزت سلطة مُعيّنة لمنصّات مواقع التواصل الإجتماعي لبناء العلامات التجارية من جهة وإدارة العلاقات بين المؤسسة والزبائن، بسبب سماتها الإستثمارية الكثيرة. فباتت هذه المنصات ساحات إعلانية بامتياز.

 

الإعلان في وسائل التواصل الإجتماعي

على مدى العقدين الماضيين، تحوّلت ميزانيات المعلنين بشكل تدريجي من الوسائل الإعلامية التقليدية إلى الإعلانان عبر الانترنت. وساهمت فورة الهواتف الذكية في تسريع هذا التحوّل، بعد أنّ غيّرت هذه الهواتف الطرق التي يستهلك بها الناس المُحتوى.

وبحسب مكتب الإعلان التفاعلي أو Interactive Advertising Bureau ارتفعت أرباح الإعلانات عبر الإنترنت بنسبة 21.8٪ خلال عام 2016 ، وتستمر في النمو في منذ عام 2017. مع العلم أنّ إعلانات وسائل التواصل الإجتماعي تحظى بثقة كبيرة لدى مُستخدمي هذه المنصّات.

من هنا، يتوقع التقرير الأخير الصادر عن "The CMO Survey" أن تزداد الميزانيات المخصصة لوسائل التواصل الاجتماعي بنسبة 32٪ في عام 2018 ، ثمّ تتضاعف بحلول العام 2023.

إذًا،ً تحوّل نشاط مُستخدمي منصات التواصل الإجتماعي المُختلفة إلى عاملٍ مُستهدفٍ يُرصد بشكلٍ دائم. فمثلًا لدى شركة فيسبوك ما يُعرف بمتوسط العائد لكل مُستخدم، وهو عبارة عن تمتّع كل مُستخدم لفيسبوك بقيمة مادية تدخل ضمن عائداته، بسبب التعرّض للإعلانات على الموقع، مشاركة المُستخدم الآراء حول ما يُقدمه من سلع وخدمات، نشر وتداول الإعلانات بشكل مباشر أو غير مباشر في ما بينهم.

في الوقت نفسه، شهد عالم الإعلانات عبر وسائل التواصل الإجتماعي الكثير من التحوّلات والتطوّرات وخصوصًا مع انتقال الإعلان من منصة إلى أخرى (يوتيوب، فيسبوك، انستغرام...). وبشكل خاص مع عالم الهواتف الذكية وتصفّح المواقع والتطبيقات عبرها.

وبسبب هذه الأساليب الجديدة تحوّلت حركة مواقع التواصل الاجتماعي إلى دلائل ملموسة على نجاح المؤسسات أو فشلها.

 

لماذا اقتصاد المعرفة؟

إنّها فعلًا حقبة جديدة مع اقتصاد جديد في ظل التطوّر الهائل في المجتمعات وحاجات ومُتطلبات الناس. الأمر الذي وضع الحكومات، المؤسسات التجارية ومُختلف القطاعات أمام تحدٍّ جديد في مُحاولةٍ لاغتنام واصطياد هذه الفرصة الجديدة عبر تطوير استراتيجياتها ومُحاولة فهم هذا العالم الجديد واستثمار مُختلف فرصه.