الحكومة الإلكترونية: مفتاحٌ أساسي للتنمية في عصر التكنولوجيا

يسير العالم تدريجيًا نحو مُجتمعات المعرفة التي نتجت عن الثورة التكنولوجية والمعلوماتية الهائلة بعدما اكتسحت العالم، فباتت تلعب تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات الدور الأبرز في عمليات الإنتاج المُختلفة، حتّى إنّ اقتصادات الدول تغيّرت ليُصبح الاقتصاد المعرفي أو اقتصاد المعرفة اقتصاد "العصر" إن صحّ التعبير. وأثبتت بمكانٍ ما هذه التقنيّات أنّها مدخل رئيسي للتنمية المتواصلة.

أمّا أبرز نتائج ثورة المعلومات والاتصالات هذه، فتمثّلت ببروز مُصطلح  الحكومة الإلكترونية الذي يُعتبر خطوة إضافية وأساسية نحو عالم المعرفة.

 

فرصة إستثنائية للدول

في ظل التقدّم العلمي الهائل، ظهر همٌّ جديد لدى الدول وهو محاولة مواكبة تقنيّات هذه الثورة التكنولوجية والمعلوماتية من جهّة ومُتطلّباتها من جهّة أخرى. لذلك يُعتبر عبور الفجوة الرقمية والعلميّة تحديًّا أساسيًا للدول وخصوصًا النامية منها.

وبعد أن أسقطت العولمة عراقيل الزمن والمسافات، ومع التطوّر التكنولوجي، المعلوماتي والعلمي أصبح التقدّم التكنولوجي والتقني بالإضافة إلى البُنى التحتيّة اللازمة، محطّات حاسمة للوصول إلى التقدّم الاقتصادي. ليتم تأسيس اقتصاد المعرفة أو الاقتصاد المعرفي، حيث باتت قوّة الدول تتحدد من خلال رصيدها المعرفي. فتغيّرت طريقة تقديم الخدمات، طرق التعاطي، الإنتاج والعمل والتفاعل أيضًا.

من هنا، تمكّن هذا العالم الرقمي الجديد من توفير العديد من الفرص الجديدة التي تحوّلت إلى مجالاتٍ ضرورية للاستثمار. وتٌعتبر الحكومة الإلكترونية فرصة ذهبية للدول، لا يُستهان بها على الإطلاق في هذا المجال. مع العلم أنّ العالم العربي يُواجه مُشكلة فعليّة في التأقلم مع مُتطلّبات هذا العالم الرقمي، إذ تُعاني الدول العربية من خللٍ حيويّ في بنيتها التحتيّة المعلوماتيّة، التكنولوجيّة والتقنيّة.

 

ما هي الحكومة الإلكترونية؟

إنّ تطوّر تكنولوجيا المعلومات والاتصالات انسحب أيضًا على العمل الحكومي للقيام بالمعاملات الخارجية والداخلية، ما يُساعد في حصول المواطن على المعلومات بسرعة، بكفاءة وبشفافية. فتُعتبر العناصر الثلاثة أي توفير الوقت، الجهد والتكلفة المفاتيح الرئيسية لنجاح الحكومات الإلكترونية.

وبكل بساطة إنّ الحكومة الإلكترونية هي عبارة عن استخدام نظم الاتصالات والمعلومات لتوفير الخدمات الحكومية للمواطنين، الأجهزة الحكومية الأخرى وقطاع الأعمال من أجل توفير التكلفة، الجهد والوقت بالطبع. ولا ننسى أيضًا زيادة الإنتاجية من جهة ومُحاربة الفساد الإداري الموجود كثيرًا في العمل الحكومي من جهة أخرى.

 

عناصر نجاح الحكومات الإلكترونية

يجب أن يتوّفر العديد من العوامل لكي تُحقق الحكومة الإلكترونية أهدافها، تعمل بكفاءة وتُوّفر خدمات ذات جودة جيدة. إليك أبرز هذه العوامل:

  • توفّر بنية تحتية مُناسبة وُمتطوّرة، وإتاحتها للجميع (Universal Access).
  • تطوير سير عمليات المُعاملات الحكومية لتتناسب مع أساليب الحكومة الإلكترونية.
  • بناء الطاقات البشرية والقدرات التي تتناسب مع هذا العالم الرقمي الجديد.
  • إيجاد بيئة قانونية مُناسبة عبر تطوير التشريعات لتتماشى مع مُستلزمات الحكومة الإلكترونية.
  • توفير ما يجب من الخصوصية وأمن المعلومات لحماية الخدمات التي تتم عبر الحكومة الإلكترونية.

 

التعرّف على أهداف الحكومة الإلكترونية

تتمحور أهداف الحكومة الإلكترونية حول النقاط الآتية:

  • إرضاء المواطنين من خلال تقديم خدمات مُكلفة وسريعة.
  • حثّ المواطن على الإنخراط في الشأن العام ومُشاركته في مُختلف القضايا.
  • زيادة كفاءة الوحدات المحلية.
  • خفض التعقيدات الإدارية وإقامة شبكة تواصل فعّالة.
  • تأسيس بنية تحتيّة للحكومة الالكترونية لزيادة الكفاءة والقيام بالمعاملات بشكلٍ سريعٍ.
  • بناء ثقة المواطن.
  • زيادة عائد الاستثمار.
  • إشراك المواطنين بشكل أكبر في الخدمات.

 

ما هي فوائد الحكومة الإلكترونية؟

للحكومة الإلكترونية العديد من الفوائد على الصعيد الإقتصادي والإداري أيضًا.

بالنسبة للفوائد الاقتصادية فهناك:

  • خلق وظائف جديدة كتشغيل صيانة البنية التحتية، إدخال البيانات وأمن المعلومات...
  • مُكافحة الفساد والهدر.
  • توفير الجهد، المال والوقت على جميع أطراف هذه العمليّة وخصوصًا في العمل في الحكومة الالكترونية.
  • ظهور مفهوم إقتصادي جديد يرتكزعلى ذهاب الخدمة أو السلعة إلى العميل وليس العكس.
  • التخفيف من صعوبة عمليات التعامل بين القطاعين العام والخاص، ما يزيد من عائدات الحكومة الالكترونية.
  • بوابة الكترونية واحدة تجمع كل الجهود.
  • ظهور مجالات استثمارية جديدة من خلال التكامل بين الحكومة الالكترونية والتجارة الالكترونية.

أمّا الفوائد الإدارية فيُمكن اختصارُها ببعض النقاط:

  • عمل الإدارة الإلكترونية على المُساهمة في رفع أداء الموظفين وتنظيم العمليات الإنتاجية.
  • التخلّص من مُشكلة الروتين الإداري الموجودة في الحكومات التقليدية.
  • شفافية أكبر في التعامل والتعاطي.
  • تسريع القيام بالإجراءات الإدارية بعد اختصار الهرم الإداري الطويل الموجود في الحكومات التقليدية.
  • العمل ضمن فريق واحد عبر توحيد الجهود.

مع العلم أنّ المضي قدمًا بالحكومات الإلكترونة له العديد من المنافع للبيئة، كالتخفيف من استخدام الورق والحد من إنبعاثات غازات الدفيئة.

 

تجربة فنلندا في مجال الحكومة الإلكترونية

تُعتبر فنلندا من أكثر الدول تطوّرًا في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات. وتّم إطلاق مشروع فنلندا الضخم لإعادة تشكيل الإدارات العامة في عام 1999 من أجل تطوير وزيادة كفاءة مُستوى الخدمات الحكومية المُقدّمة للمواطنين. فبدأت هذا المشروع بإطلاق النافذة الحكومية الواحدة عبر إنشاء خدمات حكومية مُوحّدة لتمكين المُواطن من إنجاز معاملاته كلّها في مكان واحد. وزادت هذه المراكز تباعًا بعد إثبات نجاحها.

مع الإشارة إلى أنّ البلديات الفلندية تُنفق مبالغ طائلة سنويًا على مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وتطويره. مع العلم أنّها تُقدّم الخدمات المُرتبطة بالصحة، التعليم وخدمات توفير المياه والطاقة.

 

الحكومة الإلكترونية ليست حُكرًا على دول الغرب

إنّ التجارب العربيّة في ما يخص الحكومة الإلكترونيّة قد تكون خجولة نوعًا ما أمام الدول المُتقدّمة. إذ باتت الدول العربية في قلب هذا التحوّل وتواجه تحديّات قد تكون أبعد من إمكاناتها رُبّما، لتُرسّخ موقعها على الخريطة الرقمية العالمية.

فعلى سبيل المثال بدأت مدن عربية عدّة كدبي، الكويت والقاهرة المضي قدمًا بالحكومات الإلكترونية تدريجيًا. الأمر الذي أتاح فوائد كثيرة لهذه المدن العربية وساهم بدوره في تحقيق نقلة نوعية في مستويات المدن العربية.

 

من الحكومة الالكترونية إلى الحكومة الذكيّة

يُظهر الكثير من الدراسات الحديثة انتقال العالم إلى حقبة ذكيّة بامتياز، إذ تُشير الدراسات إلى أنّ حوالى 70% من مدن العالم ستكون ذكيّة بحلول العام 2050. وسيحدث ذلك نتيجة المُتغيّرات المُتسارعة التي تتطلّب إستجابة لهذا التحدّي من المدن والبلديّات.

لذلك ستكون المدن العربية أمام تحدٍّ جديد للتحوّل إلى مدن الكترونية وثمّ ذكيّة. الأمر الذي يتطلّب نقلة نوعية على صعيد البنية التحتيّة لتكنولوجيا المعلومات والاتصال وعلى مستوى الهيكلية الإدارية. بالإضافة إلى إشراك القطاع الخاص والعمل على تطوير الإطار التشريعي لهذا المجال انطلاقًا من استراتيجية مُحددة.

يُمكن إذًا اختصار السنوات العشر  الماضية بظهور نقلة نوعيّة في مجال الحكومات التي عملت على الانتقال إلى الشبكة العنكبوتية كمنبرٍ للخدمات العامّة (تجديد جواز سفر، تراخيص المحال التجارية...). لتتطوّر بعدها التكنولوجيا كثيرًا، وتحدث ثورة جديدة في عالم الأجهزة والهواتف الذكيّة والهواتف بشكل عام.

ودفعت فورة استخدام الهواتف والأجهزة الذكيّة، الخبراء والمُتخصصين إلى التفكير في العمل على تطوير الخدمات الإلكترونية المُقدّمة من قبل الحكومات والانتقال إلى نموذج الحكومة الذكيّة. أمّا أبرز الأمثلة على ذلك في العالم العربي، ما فعلته مدينة دبي التي نقلت جزءًا ضخمًا من خدماتها الحكومية إلى الهواتف والأجهزة الذكيّة. الأمر الذي زاد من مسؤولية الحكومات والمؤسسات لتأمين التطبيقات الذكيّة والبنية التحتيّة المُناسبة. فالتطبيقات الذكيّة تستخدم الأجهزة الذكيّة المُتّصلة، في عالم ترتبط فيه الأشياء ببعضها (إنترنت الأشياء)، من أجل تقديم الخدمات اللازمة للمواطن بشكل أفضل وبأقل كلفة.

ومن الضروري أن تكون الأجهزة الذكيّة مُتّصلة بالإنترنت، وهذا ما تعمل عليه مدينة دبي لجعلها مُتّصلة بالإنترنت (Connected City). وتوفير الاتصال في مُختلف الأماكن العامة من خلال نقاط ساخنة Hotspot  تتيح الوصول إلى شبكة الإنترنت بشكلٍ مجاني. فيُتابع المواطنون بهذه الطريقة معاملاتهم عبر هذه الأجهزة الذكيّة.

 من هنا، تحوّلت دبي إلى نموذج في مجال التطوّر والحكومة الذكيّة، حيث حصدت مبادرة حكومة دبي الذكيّة الكثير من النجاح كتجربة فريدة من نوعها في وقتها. إذ تُوّفر حكومة دبي الذكية (الذراع التقني لمبادرة "دبي الذكية") من جهة 1500 خدمة حكومية، مع اعتماد مفهوم باقات الخدمة الحياتية المُقسّمة بشكل مدروس ليُلبّي احتياجات الجميع. وهي تقوم بتقديم الخدمات للدوائر الحكومية والمؤسسات التابعة لها كنظم تخطيط الموارد الحكومية، الخدمات الإستشارية وغيرها. أمّا من جهة أخرى فإنّها تُوّفر الخدمات للأفراد والشركات كخدمات الدفع الإلكتروني بالإضافة إلى أمورٍ أخرى.

 

خلاصة

فرض العالم المُترابط والمُتصل ببعضه البعض على الجميع التماشي مع مُختلف مجالات الاستثمارات التي يُقدّمها. لذلك تُوّفر كل من الحكومة الإلكترونية ثمّ الذكيّة حفنة من الحلول والإيجابيات للمؤسسات الحكومية والمواطنين؛ مع العلم أنّ ما يزيد الحماس تجاه هذا المسار اعتباره خطوة إضافية نحو اقتصاد المعرفة.

 

مرتا قاصوف