تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الخضراء: الحل الثوري للأزمات البيئية

تعتبر المشاكل البيئية الموضوع "الحدث" الذي يشغل الرأي العام العالمي وصنّاع القرار. ويعود هذا الاهتمام الكبير بالبيئة إلى النتائج الكثيرة التي سببتها الثورة الصناعية والتي أدّت بشكلٍ أو بآخر إلى أزمات وكوارث بيئية.

هناك ارتباطٌ فعلي لا يُستهان به بين القطاع التكنولوجي والبيئة، إذ تُصنّف التكنولوجيا على أنّها سيف ذو حدين في ظل المُشكلات البيئية والإجتماعية التي تُخلّفها. لكنّها أيضًا بحسب المختصين أداة أساسية لمعالجة التدهور البيئي الحاصل، من تغيّر المناخ، نُدرة الغذاء، إدارة النفايات ومجموعة من التحديات الأخرى.

وكان لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات الصديقة للبيئة حصّة كبيرة من الاهتمام العالمي في ظل الحديث عن تقنيّات حديثة تجعل من البيئة، حماية الكائنات الحيّة والتنمية المُستدامة من أبرز أهدافها، بالإضافة إلى التكنولوجيا الخضراء التي لها الأهمية نفسها أيضًا.

ما هو مفهوم التكنولوجيا الخضراء؟

ظهر مفهوم التكنولوجيا الخضراء بشكل عام كطريقة جديدة للحفاظ على البيئة، من بينها خفض استهلاك الطاقة وإيجاد الحلول التقنية لوقف تمادي ظاهرة انبعاثات الكربون والاحتباس الحراري. حتّى إنّ الكثير من الشركات العالمية بدأت توفير منتجات تقنيّة مراعية للبيئة من أجل تفعيل مفهوم التكنولوجيا الخضراء الذي يُعتبر قطاعًا استثماريًا واعدًا.

تقوم التكنولوجيا الخضراء بإنتاج التكنولوجيا انطلاقًا من حاجات المُستهلكين من دون استنفاد موارد الأرض الطبيعية. وبهذه الطريقة ينخفض استخدام الوقود في وقتٍ يُمكن إعادة تدوير واستخدام المنتجات التكنولوجية، الأمر الذي يُساعد على التقليل من كميات التلوّث والنفايات الناتجة عن عمليتي الإنتاج والاستهلاك.

إهتمام عالمي بالاقتصاد الأخضر

شكّلت التنمية المُستدامة الهدف الأسمى للمُجتمع الدولي منذ انعقاد مُؤتمر الأمم المتحدة حول البيئة والتنمية (UNCED) في عام 1992. واكتسب مفهوم الاقتصاد الأخضر اهتماما دوليًا كبيرا مؤخرًا، حتّى أُعيد إحياء هذا المُصطلح منذ عام 2008 في سياق النقاش العالمي القائم حول طرق مواجهة الأزمات البيئية العالمية الحاصلة.

ويُعرّف الاقتصاد الأخضر وفقًا لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة بأنه "ذلك الاقتصاد الذي ينتج فيه تحسّن في رفاهية الأنسان و المساواة الإجتماعية في حين يُقلل بصورة ملحوظة من المخاطر البيئية  ومن الندرة الأيكولوجية للموارد. وهو ذلك الاقتصاد الذي يُقلل من الإنبعاثات الكربونية وتزداد فيه كفاءة استخدام الموارد ويستوعب جميع الفئات العمرية".

وتندرج أسفل المظلّة الكبيرة للاقتصاد الأخضر مُصطلحات أخرى كالنموّ الأخضر، وسائل خفض مستوى إنبعاثات الكاربون وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات الخضراء. لذلك يعترف المُختصون بأهمية تطوير تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الملائمة للبيئة من أجل الإنتقال التدريجي إلى الاقتصاد الأخضر.                   

تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الخضراء

في مُحاولة جديّة ومُلحّة لتحقيق نمو اقتصادي وفهم مُتطلبات السوق، مع اتباع الخيارات الأفضل والأنسب في استهلاك الطاقة وحماية البيئة في الوقت نفسه، برز ما يُعرف بتكنولوجيا المعلومات والاتصالات الخضراء "Green ICT"، وبات المُصطلح الأكثر شهرة حاليًا.

ويعني هذا المُصطلح  إتاحة نوع من التقنيّات الجديدة لتوفير الطاقة في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، ومن بينها الخدمات، الأجهزة والبرمجيات المُختلفة.

وفي حين ان تكنولوجيا المعلومات والاتصال تستهلك كميّات ليست بصغيرة من الطاقة، إلا انها تساهم بشكل أو بآخر بانبعاثات ثاني أوكسيد الكاربون (بنسبة 2%). لذلك بإمكانها أن تُساهم في التخفيف من نسب الانبعاثات التي تُسببها القطاعات الأخرى. كما تُساعد هذه الطريقة على حماية البيئة من المُخلّفات الضارّة للتكنولوجيا.و في الوقت نفسه تُوّفر هذه الطرق الجديدة الكثير من المنافع الإقتصادية للشركات مع الفرص الجديدة في إعادة تدوير المُخلّفات التكنولوجية.

تطبيقات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الخضراء
كما سبق وأشرنا بات استغلال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات من الأمور الأساسية للبيئة للحفاظ عليها وعلى مواردها؛ ولا ننسى أيضًا تسخيرها في رصد الكوارث والأخطار الطبيعية وتغيّرات المناخ.

وبحسب النشرة المُشتركة بين برنامج الأمم المُتحدة الإنمائي ومركز التكامل المُتوسطي (توظيف قدرات وإمكانات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في التنمية المحلية)، فإنّ تقنيّات الإستشعار عن بعد وشبكات الاتصالات تسمح بمتابعة وإدارة الموارد... بالإضافة إلى التخفيف من آثار المخاطر البيئية بشكلٍ أكفأ.

وتصل تقنيات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الخضراء إلى إعادة التدوير الإلكتروني الذي يجب أن يلتزم بعددٍ من المعايير عند إعادة التدوير.

تكنولوجيا النانو

كما لا بد من ذكر تكنولوجيا النانو التي تُعتبرمن أكثر التقنيات تطوّرًا على صعيد تحقيق استدامة البيئة. وتُركّز تقنيّة النانو الخضراء على مبدأ تطوير وتشجيع التقنيات الخضراء النظيفة لحماية البيئة وصحة الإنسان. فعلى سبيل المثال، من الممكن للمُنتجات النانوية أن تنفع البيئة بشكل مباشر على صعيد تحلية المياه، رصد ما يُلوّث البيئة، تنظيف مواقع النفايات الخطرة ومعالجة المُلوّثات.

كذلك من الممكن استخدام تكنولوجيا النانو من أجل تحويل عمليات التصنيع للمواد والمنتجات غير النانوية إلى موادٍ صديقة أكثر للبيئة. ومن أبرز الأمثلة عن هذا الموضوع ما يُعرف بمُحفّزات النانو التي تُساهم في رفع كفاءة التفاعلات الكيميائية وتُقلل من الإسراف. وبات استخدام نظم الطاقة البديلة  مُمكنًا بفضل تكنولوجيا النانو الخضراء المهمّة في عمليات التصنيع. وتُمكّن هذه التكنولوجيا الثورية المصابيح وخلايا الوقود من خفض نسب التلوّث الناتجة عن عمليات توليد الطاقة.

ومن أبرز الأمثلة العالمية على التطبيقات الخضراء في مجال الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، ما فعلته شركة "لوجتيك" السويسرية (Logitech) التي ابتكرت لوحة مفاتيح شمسية (صديقة للبيئة) لأجهزة آبل. أمّا في لبنان،  فأطلقت شركة ألفا اللبنانية للإتصالات بإدارة أوراسكوم للإتصالات، وشركة إريكسون، المورِّد العالمي لحلول وخدمات تكنولوجيا الاتصالات، مبادرة أولى من نوعها في لبنان لإعادة تدوير النفايات الإلكترونية.

بعض آثار استثمار تكنولوجيا المعلومات والاتصالات

هذه لمحة عن أهم نتائج الاستثمار في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في هذا المجال:

- نظام مراقبة طاقة الإضاءة - System Control Lighting Efficient Energy.

- معدات مكتبية أقل استهلاكاً للطاقة - Equipment Office Efficient Energy.

- الطابعات المشتركة - Printers Networked Sharing.

- شبكة التوزيع اللاسلكية - Network Distribution IT Wireless.

- نظام إدارة المبنى – System Management Building (النظام الأساسي لإدارة البيوت الذكية).

وإلى جانب ما سبق، تتعدد أمثلة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات التي يُمكن استخدامها من أجل الحد من انبعاثات غازات الدفيئة (greenhouse gas). فهناك: تكنولوجيا المعلومات والاتصالات لإدارة المباني الذكية، النقل المستدام ( السيارات الكهربائية - الخدمات اللوجيستية الالكترونية)، التجارة الإلكترونية، خدمات الصحة الإلكترونية، تطبيقات التعليم الإلكتروني...

ولكن بماذا يُفيد هذا التوجّه الجديد؟

هذا التوجّه العالمي الجديد لدى الشركات والدول بمختلف فروعه، يُساهم بطبيعة الحال في خفض التكاليف الهائلة للطاقة وتشغيل هذه الشركات. في الوقت نفسه سيسمح هذا الأمر بزيادة أرباحها وسيكون له تأثيرات إيجابية على المُستهلك نتيجة انخفاض تكاليف المنتجات، فيوفّفر الوقت، المال والجهد. لكن يبقى الأهم من كل ما سبق الحفاظ على البيئة، صحة البشر واستدامة كوكب الأرض.

البيئة تدق ناقوس الخطر!

في المحصلة، إنّ البيئة هي من دون شك في خطر وفرادة  ما تُقدّمه تكنولوجيا المعلومات والاتصالات تجعل منها مفتاحًا أساسيًا للتوصّل إلى حلولٍ من شأنها أن تُواجه تحديّات التنمية المُستدامة، وللانتقال أيضًا إلى التنمية الخضراء.

لذلك على الرغم من دقّة  هذا المجال وصعوبة الإنخراط فيه، تبرز هنا أهمية توفير بنى تحتية ملائمة وبيئة فعاّلة للاستثمار في هذا المجال الثوري الذي يُساهم في التنمية الاقتصادية، البيئية والاجتماعية.