الحكومة الالكترونية والذكية: مجال واسع من التهديدات والتحديات

من الحكومة العادية التقليدية إلى الحكومة الإلكترونية وصولًا إلى الحكومة الذكية... إنّه باختصار مسار التطوّر الذي شهدته الحكومات وطبيعة العمل الإداري فيها. وتحولت "الحكومات الجديدة" إلى ضرورة حيوية من أجل مواكبة كل ما يحصل من تطورات وتغييرات من جهة ومواكبة الحاجات الخدماتية والإدارية على مختلف الأصعدة. فباتت الإدارات أمام تحدي مواكبة هذا التيّار التقني والرقمي الجارف، في وقت عدم مُجاراته يعني بمكانٍ ما عدم مواكبة عجلة التطوّر وضعفًا في الانتاجية.

ويأتي الحماس تجاه هذ التوجه الرائد والثوري انطلاقًا من مُعتقد أنّ التكنولوجيا تُساهم بتحويل الإطار السلبي الذي توضع فيه الحكومة الفعلية إلى إطار إيجابي أكثر وتفاعلي مع المواطنين بشكل أكبر ومؤسسات الأعمال. فتكنولوجيا المعلومات والاتصالات ساعدت في تغيير طريقة العمل التقليدية للحكومات ونمطها بهدف جعل الحكومة أكثر استجابة لرغبات المواطنين وتلبية لتطلعاتهم.

و في مقابل الأهمية التي خلقت حول هذا الموضوع، يُعتبر هذا العالم مُتعدد الأوجه فلا يُمكن التسليم المُطلق بإيجابيات هذا المجال. إذ هناك مجموعة من التحديات والمخاطر التي تواجه هذا الحقل الذي بات محط أنظار الكثير من المختصين.

الحكومة الإلكترونية أساس الإصلاح الاقتصادي والسياسي الناجح

من المعروف أنّ السنوات العشر الماضية شهدت نوعًا من الثورة في عالم الحكومات التي وجدت أنّ منصة الانترنت هي الوسيلة الأفضل لنقل خدماتها عليها، لتسهيل حياة المواطن، رفع الإنتاجية، تقليل الكلفة وتأمين منافع اقتصادية وسياسية مُختلفة... وتكون مفتاحًا أساسيًا في الاصلاح السياسي والاقتصادي. ومع الفورة في الأجهزة الذكية والرقمنة الحاصلة بات العالم مُتصلًا ببعضه البعض من خلال هذه الأجهزة الذكية، وهذا ما يعرف بانترنت الأشياء.

لكن ماذا عن السلبيات والمخاطر؟

كما سبق وأشرنا، للحكومة الإلكترونية والذكية الكثير من السلبيات والمخاطر التي قد تواجهها. ومن أبرز هذه السلبيات:

- من المحتمل أن يكون الأمن المعلوماتي عرضة لعمليات تصيّد احتيالي والفيروسات الخبيثة... بالإضافة إلى عمليات القرصنة وغيرها من طرق اختراق الحماية واستغلال الثغرات الأمنية.

- من الوارد جدًا حصول خلل في الشبكة العنكبوتية التي تُعتبر المُحرّك الرئيسي لعمل الحكومات الإلكترونية والذكية.

- تأمين ما يُعرف بقواعد تخزين رقمية بديلة في حال حصول أيّ خطأ مهما كان نوعه أو سببه.

- مساحة أكبر لتسريب معلومات مرتبطة بالأفراد أو بالحكومات وقد تكون حساسة في بعض الأحيان بهدف استغلالها أو التخريب فقط. الامر الذي يخلق تحديًا لهذه الحكومات بتقوية نظام الرصد والأمن المعلوماتي والسيبراني الذي يُعتبر أساسيًا في هذه الحالة.

- ارتفاع مخاطر التجسس من قبل دول خارجية من جهة ومخاطر التجسس من قبل الشركات الاقتصادية.

- بروز ما يُعرف بالحروب الإلكترونية التي تقوم بها المؤسسات الإرهابية التي اكتشفت أهمية الشبكة العنكبوتية وأهمية الهجمات الإلكترونية والاختراقات بمختلف أنواعها.

مجموعة كبيرة من التحديات

عند التحدث عن الحكومة الإلكترونية والذكية هناك مجموعة من التحديات التي تواجه هذا النوع الجديد من الحكومات. فبالرغم من التعويل الكبير عليها، لا يخلو الأمر من تحديات كثيرة يجب أن يتم العمل على التغلّب عليها ومعالجتها.

ومن هذه التحديات، نذكر:

- تقريب المسافة بين ما تقدمه الحكومة الإلكترونية والذكية وبين ما يريده فعليًا العملاء. إذ يتطلب هذا الأمر إجراء دراسات مُتخصصة لمعرفة حاجاتهم ومتطلباتهم من هذه الحكومة "الجديدة". وقياس بالتالي بشكل دائم مدى رضى هؤلاء العملاء على ما تقدمه هذه الحكومة الالكترونية أو الذكية من خدمات.

- توفير اهتمام أكبر بأمن المعلومات وخصوصية الأفراد والعمل على تطوير وتحسين أنظمة الحماية لمواجهة التهديدات الأمنية التي من الممكن أن تحصل.

- الأمن يوازي بأهميته الخدمات المُقدمة؛ إذ لن يقوم احد باستخدام هذه المنصات في حال عدم إعطاء الأمن المعلوماتي أهمية بالغة. فيجب توفير إطار لأمن المعلومات لهذه الخدمات الذكية على الأجهزة الذكية. فأنظمة الحماية الحالية المعتمدة هي أنظمة  قديمة وهذا لا يكفي إذ يجب الانتقال من مرحلة ردة الفعل والمعالجة الي مرحلة التخطيط المسبق لمواجهة التهديدات الأمنية بشكل استباقي.

- هناك تحدي رأس المال البشري، حيث يفرض تأمين الموارد البشرية اللازمة لتطوير أنظمة هذه المنصات مع التدريبات اللازمة لهذه الكوادر البشرية لتطويرها وتأهيلها بشكل متواصل.

- يظهر أيضًا تحدي القيادة الذي يقوم على إبقاء الحكومة الإلكترونية ضمن أولويات الحكومات وتقديم الدعم الدائم لها على مُختلف الأصعدة. فهذا النوع من المبادرات يتطلب مُتابعة دائمة.

- أهمية وضع استراتيجية واضحة للتحوّلات الإلكترونية والذكية لكي تكون بوصلة تُحدد الاتجاهات العامة والتوقعات المُستقبلية.

- تمكين المواطنين من التعامل مع هذا النوع من الحكومات.

- إجراء دراسات ميدانية وبحثية لمعرفة حاجة العملاء الحقيقية والعمل على مواكبة التغيير الدائم بكل فروعة ومتطلباته.

أهم الاستنتاجات

في المحصّلة، إنّ عملية بناء ثقة كبيرة بين المواطن والحكومة الإلكترونية والذكية تُعتبر من أهم الأمور لبناء هذا المشروع وتأمين نجاحه.

ومن دون شك إنّ الحكومة الإلكترونية والذكية تُقدم الكثير من الإيجابيات التي من شأنها أن تُحسن العمل الحكومي وحياة الأفراد. واعتماد الحكومة الإلكترونية والذكية يدخل في صلب الاقتصاد الجديد الذي يقوم على المعرفة. لكن على الرغم من اعتبارها مدخلًا رئيسيًا للتنمية المتواصلة لا يجوز عدم الالتفات إلى المخاطر والتحديات التي يفرضها هذا النوع من الحكومات "الجديدة".

لذلك تُركز الدراسات على ضرورة توفير البنية المعلوماتية وبيئة الإتصالات الضرورية بالإضافة إلى التجهيزات الضرورية والرقابة الفنية والحكومية اللازمة من أجل الخروج بتجارب ناجحة في هذا المجال.

وتدعو أيضًا بعض دراسات المنطقة إلى الاستفادة من التجارب الناجحة للدول المتقدمة على صعيد تطبيق الحكومة الإلكترونية والذكية واستخلاص العبر. فالوقوف في وجه التحديات ومعالجتها يُعتبر أساسيًا لنجاح الحكومات الإلكترونية والذكيّة في هذا العالم المُتفلّت من كل قيود.