"ثورة تكنولوجية" قادمة إلى عالم الرعاية الصحية

إنّ السرعة التي يتغيّر فيها شكل العالم مُخيفة من دون شك، إذ طغت "الثورة التكنولوجية" على جميع القطاعات ولكي تواكب هذه القطاعات هذا التحوّل الرقمي الجارف الحاصل. ولم تسلم أيضًا الرعاية الصحية والمجال الطبي من الغزوة التكنولوجية الكبيرة التي اكتسحت العالم بكل ما للكلمة من معنى. فبدأ هذا القطاع يشهد تغيرًا في ملامحه بشكل سريع جدًا مع بروز تقنيات جديدة كثيرة. من هنا، ما هي أبرز هذه التقنيات التي ستُحدث "ثورة" في عالم الرعاية الصحية والطبية؟

لم يعد بالإمكان وصف دخول التكنولوجيا إلى عالم الطب والرعاية الصحية بالأمر الثانوي على الإطلاق. ويبدو عالم الرعاية الصحية والطبية ماضيًا قدمًا في استخدام تطبيقات التكنولوجيا لأغراض مختلفة مثل تسهيل تبادل المعلومات بين المرضى والأطباء، أو المساعدة في عملية جراحية عالية الخطورة... وغيرها من الأمور. والأمر المؤكد أنّ التكنولوجيا ستساهم في تبديل القواعد التقليدية المتبعة في الرعاية الصحية بكل ما للكلمة من معنى.

رقمنة قطاع الرعاية الصحية

أظهر تقرير صادر عن شركة ديلويت (Deloitte) الذي ينقل لنا نظرة شاملة ومستقبلية عن قطاع الرعاية الصحية في العالم زيادة كبيرة في سرعة، حجم ونمط الإبتكارات في قطاع الرعاية الصحية التي أخذت تظهر في السنوات الماضية. والمُلاحظ أيضًا أنّ التكنولوجيا الرقمية تقوم بدعم جهود الأنظمة الصحية للانتقال إلى نماذج جديدة في الرعاية الصحية التي تتمحور حول المرضى... بالإضافة إلى مساعدة هذه الأنظمة في تطوير نهج "الصحة الذكية" لزيادة إمكانيات الوصول إلى الرعاية الصحية، خفض الكلفة وتحسين جودة الخدمات المُقدمة.

وتطرّق التقرير أيضًا إلى اختراق بعض التقنيات والتكنولوجيا عالم الرعاية الصحية وتداخلها بتقنيات البلوك تشين، السحابة، الذكاء الاصطناعي، الروبوتات، انترنت الأشياء وغيرها... إذ يُنظر إليها بمثابة مساعدٍ أساسي في عمليات التشخيص من جهة والعلاج من جهة أخرى. ولا ننسى أيضًا مساهمتها في تحسين تجربة المريض بالإضافة إلى دقتها.

وأكد هذا التقرير أهمية استثمار القطاع الصحي بجهاته المعنية بالرقمنة مشيرًا إلى طرق الاستفادة من هذا التحوّل التكنولوجي القائم ومنافعه المختلفة على قطاع الرعاية الصحية. ومن أبرز الأمثلة على منافع تطبيق الرقمنة على القطاع الصحي مساهمتها في تحسين التشخيص وتسريع العلاج، السرعة والدقة، تسريع تطوير الأدوية والأجهزة الجديدة بالإضافة إلى إضفاء الطابع الشخصي على كل حالة من الحالات. كذلك تنفع بتحسين تجربة المريض إلى أقصى حد ممكن والتدريب بشكل أفضل وفعّال أكثر للكوادر الطبية...

وتأتي أهمية التكنولوجيا في قطاع الرعاية الصحية مع كثرة الدراسات التي تؤكد ازدياد عدد المرضى المصابين بالأمراض المزمنة بحلول العام 2030. بالموازاة سيعمد العاملون في مجال الرعاية الصحية إلى سد نقص الأطباء ومواكبة احتياجات المرضى عبر الاعتماد على التكنولوجيا من أجل تسهيل تبادل المعلومات بين المرضى والأطباء، أو المساعدة في عمليات جراحية عالية الخطورة...

 

التكنولوجيا تُغيّر قطاع الرعاية الصحية

إليكم أبرز التوجهات التكنولوجية التي ستغيّر قطاع الرعاية الصحية:

- الطباعة الثلاثية الأبعاد:

لقد تطوّر سوق الطابعات الثلاثية الأبعاد كثيرًا في السنوات الماضية وتطورت إستخداماته أيضًا في قطاع الرعاية الصحية والطبية. فتُساهم هذه التقنية بإنشاء أدوات طبية باستخدام العديد من المواد بدءًا من البلاستيك، والخلايا الجذعية وصولًا إلى طباعة الأطراف الاصطناعية، المصممة حسب الطلب... وتصنيع الحبوب المتعددة  poly-pills، التي تحتوي على أكثر من مكون فعّال، بتكلفة بسيطة.

كذلك لهذه التقنية  دور كبير في عمليات زراعة الأعضاء وإصلاح الأنسجة. والجدير بالذكر أنّها تتمتّع بقدرة إعادة إنتاج بشرة واقعية لضحايا الحروق.  وتسمح هذه التقنية بتحقيق فرص نمو جديدة في القطاع الصحي على أكثر من صعيد.

- الذكاء الاصطناعي:

إنّ تسخير تقنيات الذكاء الاصطناعي في قطاع الرعاية الذكية سيُساهم من دون شك في الوصول إلى تشخيص أسرع وأكثر دقة للمرضى. في هذا السياق، يقول الدكتور بيرتالان ميسكو الحائز دكتوراه في الطب المستقبلي في كتابه "أبرز 10 اتجاهات تشكّل مستقبل الرعاية الصحية" إنّ خوارزميات الذكاء الاصطناعي لها قدرة على استثمار السجلات الطبية وتحضير برامج علاج وأدوية بطريقة أسرع من أي عنصر في مجال الرعاية الطبية الصحية.

ومن المُلاحظ بحسب التقارير المنشورة وجود زيادة كبيرة في نسب الاعتماد على تقنيات الذكاء الاصطناعي في العام 2018 مقارنة بالعام الذي سبقه. كما من المُتوقع أن يكون للذكاء الاصطناعي دور أساسي في عمليات تشخيص أمراض العيون، السكتات الدماغية وسرطان الجلد والعديد من الحالات المرضية والصحية الأخرى.

- تكنولوجيا النانو في الطب:

قد يتسم هذا المصطلح بشيء من التعقيد ولكّنه يعني بكل بساطة استخدام تقنية النانو للتشخيص وتحسين العلاج الطبي وابتكار طرق متقدمة لتوصيل الدواء وطرق جديدة لصلاح الأنسجة والخلايا التالفة وعلاج الأمراض المختلفة وخصوصًا الأمراض المُستعصية مثل السرطان. بالإضافة إلى القيام بجراحات صغيرة جدًا، إذ يقوم العلماء باختبار روبوتات صغيرة جدًا بإمكانها أن تسبح في الدم وتوصل الدواء او اللقاح إلى النقطة المناسبة أو الورم المستهدف بدلًا من أن يصل إلى الجسم كلّه. وفي ظل التعويل كثيرًا على الطب النانوي لما له من منافع لمستقبل البشرية، توقعت شركة الأبحاث Grand View Research أن يتجاوز سوق الطب النانوي بحلول 2025 أكثر من 350 مليار دولار.

 

 

 - الواقع الافتراضي والمعزز:

تُساعد تقنية الواقع الافتراضي كلًا من الأطباء والمرضى على حد سواء. وتُساهم في توفير إمكانات علاجية، علاج اضطرابات القلق، تدريب العاملين في هذا المجال، تدريب الأطباء والجراحين في بيئة تحاكي الواقع ومنخفصة المخاطر... أمّا الواقع المعزز فيُساعد طلاب الطب على معايشة العمليات بطريقة فعّالة من جهة وعلى تحسين مهارات الأطباء من جهة أخرى. وتأتي الحاجة إلى تقنية الواقع الافتراضي لخفض التكلفة للتدريب والعلاج في آن. لذلك من المؤكد أن ينمو سوق تقنيتي الواقع الافتراضي والمعزز في الرعاية الصحية في السنوات القادمة ويصل إلى 5.1 مليارات  دولار بحلول العام 2025، بحسب تقرير لشركة الأبحاث Grand View Research.

- الروبوتات للعمليات الجراحية:

تسمج الجراحة الآلية للأطباء بإجراء عمليات جراحية معقدة ودقيقة. ويحدث ذلك من خلال استخدام كاميرا وأذرع ميكانيكية من أجل توفير رؤية دقيقة للمكان الذي تحصل فيه العملية. وتُساعد هذه التقنية على تقليل المضاعفات المترتبة عن العمليات الجراحية، زيادة الدقة والمرونة، تقليل الندبات... كذلك إنّ الجراحة الروبوتية تفسح المجال أمام الجراحين للقيام لعمليات عن بعد أي في بلد مختلف عن بلد المريض. ولا ننسى أيضًا وجود الروبوتات المبيدة للجراثيم.

- الرعاية الصحية عن بعد:

قد لا تكون الرعاية الصحية الإفتراضية رائجة جدًا بعد في العالم العربي لكنّها من التطبيقات الواعدة جدًا في مجال الرعاية الصحية من دون شك. إنّها باختصار تتمحور حول استخدام تقنيات المعلومات والاتصالات الرقمية مثل أجهزة الكمبيوتر وأجهزة المحمول للوصول إلى خدمات الرعاية الصحية عن بعد وإدارة الرعاية الصحية الخاصة بكل إنسان. وإلى جانب ذلك، زاد في الفترات الأخيرة استخدام العديد من المرضى أجهزة المراقبة الصحية، أو أجهزة تتبع اللياقة البدنية ومشاركة البيانات التي يحصلون عليها مع أطبائهم.

كما من منافع الرعاية الإفتراضية سهولتها وتقليل الحاجة إلى السفر للتشاور مع الأطباء المختصين ربما خارج البلد. لكن من جهة أخرى، هناك تخوّف فعلي من هذه الطريقة الجديدة خوفًا من الحصول على رعاية صحية غير كاملة ما يؤدي إلى فجوات في التشخيص والمُتابعة بسبب عدم وجود ارتباط شخصي مع الطبيب.