تكنولوجيا النانو: طريقة ثورية لمواجهة أزمة المياه وتحسين نوعية الحياة

ما يعيشه العالم اليوم من تحوّلات وتغيّرات جارفة وجذرية لا يُمثّل امتدادًا أو استكمالًا لمفاعيل الثورة الصناعية الثالثة، بل هو بحسب المُختصين بداية لثورة جديدة وهي الثورة الصناعية الرابعة التي بدأت ملامحها بالظهور وهي "إستثنائية" وسريعة من دون شك في مُختلف مجالاتها. ففي هذه الثورة الجديدة التي تقوم على التحوّل الرقمي تُصبح فيها التكنولوجيا بمُختلف فروعها جزءًا لا يتجزأ من المجتمعات وحياة الإنسان بشكلٍ عام.

وتبرز تكنولوجيا النانو كثيرًا بين التقنيات الجديدة والثورية التي استأثرت باهتمام العالم. فما هو الدور الذي تلعبه هذه التكنولوجيا على صعيد معالجة، تنقية وتحلية المياه في وقت يعاني العالم من أزمة مياه فعلية؟

تكنولوجيا النانو: ثورة مُصغرّة

انتشر في السنوات الأخيرة مفهوم تكنولوجيا النانو الذي اكتسب أهمية بالغة وبات مادة أساسية للبحوث والدراسات بالنظر إليه كوسيلة لمعالجة أكبر التحديّات أمام الإنسان والعالم بأصغر الأشياء بحسب خبراء هذا المجال بالطبع.  ويُمكن تعريف علوم وتكنولوجيا النانو بأنّها عبارة عن مجموعة من التقنيات والبحوث الُمتعلقة بابتكار تقنيات ووسائل جديدة تُقاس أبعادها بالنانومتر. ويُعتبر النانومتر جزءًا من مليون جزء من المليمتر. ويطلق على هذه الابتكارات اسم أجهزة نانوية أو أجسام نانوية . أي بمعنى آخر هو العلم الذي يهتم بدراسة ومعالجة المادة على المقياس الذري والجزيئي.

وكانت هذه التكنولوجيا محورًا لكثير من البحوث التطبيقية، ما أدّى إلى توظيفها في معالجة التلوث البيئي في الهواء، التربة والماء والحد من الملوثات البيئية التي ترفع نسب التلوث. بالإضافة إلى استخدامات أخرى لتحسين نوعية الحياة.

الثروة المائية في خطر

بما أنّ الماء هو عبارة عن موردٍ نادرٍ وخصوصًا على صعيد منطقة الشرق الأوسط، زادت نُدرة هذا العنصر الحيوي الذي بات في خطر في وقت ترتفع نسب التلوّث فيه، التغيّر المناخي القاتل والنمو السكاني الهائل.

وبحسب جمعية الأمم المتحدة فإنّ من أبرز التحديات المتعلقة بالمياه تتركز على افتقاد مليار شخص إلى خدمات مياه الشرب المأمونة في العالم. ويعاني 1 من كل 10 أشخاص في العالم من شح المياه وتعود 80% من مياه الصرف الصحي الى النظام الإيكولوجي دون معالجتها أو إعادة استخدامها. كما لا يوجد إطار إداري تعاوني لثلثي أنهار العالم العابرة للحدود السياسية. في حين تستهلك الزراعة 70% من المخزون العالمي للمياه.

وفي وقت، اعترف المختصون بخطورة الوضع القائم تمكّن هؤلاء من فهم الحاجة الماسة إلى إيجاد طرق فعّالة يتم توظيفها لمعالجة مشكلة تلوّث المياه وتنقيتها. فكانت تكنولوجيا النانو المدخل الرئيسي لمعالجة أزمة تلوث المياة وتنقيتها وتحليتها بهدف الحفاظ على الثروة البيئية، المائية والسمكية من جهة وتنقية المياه لزيادة نسب مياه الشرب والحفاظ على صحة الإنسان من جهة أخرى.

تكنولوجيا النانو لتنقية وتحلية المياه

لقد أظهر الكثير من الدراسات والبحوث العلمية الملموسة القدرة الكبيرة التي تتمتّع بها حبيبات الحديد النانوية للتخلص من مركبات الكلور الموجودة في المياه. كما تُساعد على انتزاع  عنصر الاوكسيجين من جميع أكاسيد النتروجين السامة التي نجدها في المياه المُلوثة... بالإضافة إلى تنقية عناصر الفلزات الثقيلة كالزرنيخ على سبيل المثال. كما يعمد الخُبراء إلى استخدامها في مجال تنقية المياه الجوفية الملوثة بالمخلفات الصناعية والتخلّص بالتالي من المركبات العضوية السامة والمسرطنة التي يُمكن أن تحتويها هذه المياه.

من جهة أخرى، استطاعت هذه التكنولوجيا الثورية أن تدخل بشكل كثيف في عملية إنتاج عدد من مرشحات المياه المُستخدمة بدلًا من المرشحات التقليدية، من أجل تنقية مياه الشرب الملوثة بالطبع من الفيروسات والبكتيريا والعناصر الفلزية الثقيلة... إلى جانب المركبات العضوية أيضًا العالقة بالمياه. فعلى سبيل المثال ، أظهرت دراسة أجريت في جنوب أفريقيا أنّ عمليات الترشيح الغشائي باستخدام الجسيمات النانوية يمكن أن تنتج مياهًا صالحة وآمنة للشرب من المياه الجوفية المائلة للملوحة. وقد طور فريق من العلماء الهنود والأميركيين فلاتر الأنابيب النانوية الكربونية التي تزيل البكتيريا والفيروسات بنسبة أعلى من الفلاتر التقليدية.

كما أكدت التجارب والدراسات الميدانية أنّ استخدام أنابيب الكربون النانوية تُساهم بمكانٍ ما بتخفيض تكلفة عمليات التحلية بـ 57% وذلك مقارنة بالتقنيات المعروفة الأخرى المُتطورة.

وهناك الجسيمات النانوية المغناطيسية والمحفزات النانوية التي تُعتبر من الأمثلة الإضافية على قدرة تكنولوجيا النانو على معالجة المياه الملوثة ومياه الصرف الصحي حتى وجعلها صالحة للشرب. ومن جهة أخرى، تتمتّع الجسيمات النانوية المغناطسية بمميزات تزيد من قدرتها بسبب اتساع مناطقها السطحية على ربط المواد الكيميائية. وفي تطبيقات معالجة المياه، يمكن استخدامها لربط الملوثات مثل الزرنيخ أو الزيت، ثم إزالتها باستخدام مغناطيس.

أمّا على صعيد تحلية مياه البحر، فيتم استخدام أغشية نانوية تعمل بتقنية التناضج العكسي. هذه الطريقة تدفع الماء إلى الدخول في هذه الأغشية النانوية وتمنع الأملاح المذابة فيه. ثم تستخدم حبيبات نانوية من أول أكسيد الماغنيسيوم بقطر لا يتجازو 20 نانومتر من أجل تطهير المياه من البكتيريا والجراثيم كي تصبح جاهزة وصالحة للشرب.

كذلك يجب التطرّق إلى عملية استخدام حبيبات الذهب النانوية لتنقية المياه من المواد الكيميائية من مستحضرات التنظيف والزيوت وغيرها من المواد التي تؤدي إلى أضرار في الأرض وفي المياه الجوفية. وكان في السابق قد طوّر فريق بحثي في جامعة رايس في الولايات المتحدة الأميركية تقنية تقوم على حبيبات الذهب النانوية المغطاة بطبقة رقيقة من البالاديوم لتنقية مياه الآبار من المركب السام الذي يُعرف باسم Trichloroethene  (TCE). فيعمل على تفكيكه وتحطيمه إلى غاز الإيثان غير السام.

بعض الاستنتاجات المهمة

في ظل السباق القائم على تطوير هذه التكنولوجيا، ظهرت في السنوات الأخيرة تحذيرات نشرتها دراسات طبية تؤكد خطورة المواد المصنعة باستعمال الأنابيب النانوية الكربونية على الصحة. لذلك من الضروري التوقف أكثر عند هذه التقنية والأخذ بالحسبان الفرص والمخاطر التي تُقدمها في آنٍ. وبالتالي إنّ تعاونًا أكبر مطلوب بين المتخصصين في مجال المياه والعلماء والحكومات لفهم المشاكل والفرص المتاحة لتطبيق التكنولوجيا النانوية على عالم المياه وتحسينه.

وعلى الرغم من التحذيرات، يستمر هذا المجال بالتطور والتقدم وتتوقع الدراسات أن تصل هذه التكنولوجيا الثورية إلى ذروتها بحلول العام 2030. فمُشكلة المياه في العالم وخصوصًا في الدول النامية ليست عادية، فبالتالي إنّها تتطلّب إجراءات إستثنائية أيضًا من هذا المفتاح السحري للتنمية الاقتصادية والتطوّر.