حان الوقت للتحوّل نحو شبكات الجيل الخامس (5G)

تستحوذ تقنيات الجيل الخامس (5G) اليوم على الاهتمام الأكبر ضمن قطاع تقنية المعلومات والاتصالات فمن المتوقع أن ترتقي هذه التقنيات الجديدة بقطاع تقنية المعلومات والاتصالات إلى حقبة جديدة كلياً تشهد فيها نماذج العمل تطوراً جذرياً لافتاً.

وإذا قلّبنا صفحات التاريخ، نجد أن التحولات الاجتماعية لطالما رافقها ظهور تقنيات متطورة. وهذا ما حدث بالفعل مع ظهور شبكات الجيل الثاني (2G) والجيل الثالث (3G) والجيل الرابع (4G) التي غيرت حياة الأفراد من خلال إدخال شبكات الاتصالات الصوتية التي تصل بين مختلف أرجاء العالم وشبكات الإنترنت عبر الهواتف المتحركة. ولاشك أن انتشار شبكات الجيل الخامس (5G) سينقلنا مجدداً إلى حقبة جديدة تتيح لنا فرصة بناء عالم ذكي تتصل فيه جميع الأشياء مع بعضها البعض. ولا تقتصر التحولات على شبكات الجيل الخامس فحسب بل تمكنت دول عديدة من رسم خططها الوطنية للتنمية حيث ركزت معظم هذه الاستراتيجيات الوطنية على تحقيق هدف واحد مشترك؛ ألا وهو إحداث عملية التحوّل الرقمي.

وبدورهم، يحتاج مزودو الاتصالات إلى تجهيز كل ما هو مطلوب لاستقبال شبكات الجيل الخامس (5G) وفقاً لما تُنبئ به الأسواق وتشير إليه سياسة الالتزام بالمسؤولية الاجتماعية. لكن تعلو في الوقت ذاته الأصوات المطالبة بوضع معايير لشبكات الجيل الخامس (5G) قبيل إطلاقها وبتأسيس النظام الإيكولوجي الشامل، وهذا ما يجعل مزودي الاتصالات بحاجة إلى مراقبة الوضع عن كثب لمواجهة التحدي الأبرز بالنسبة لهم والمتمثل في اختيار الوقت المناسب للتحوّل نحو شبكات الجيل الخامس (5G). وحتى نتمكن من تقديم صورة واضحة، أؤمن بأن هناك ثلاثة أسئلة أساسية يجب علينا الإجابة عليها وتتمثل في:

  • من يحتاج إلى شبكات الجيل الخامس (5G) أكثر؟
  • ما هي التحديات البارزة أمام شبكات الجيل الخامس (5G)؟ وماذا عن المزايا المنشودة لهذه الشبكات؟
  • كيف يمكن لمزودي الاتصالات الاستفادة من شبكات الجيل الخامس (5G) في رسم استراتيجياتهم بما يتوافق مع مكانتهم في السوق؟

من يحتاج إلى شبكات الجيل الخامس (5G) ؟

يبدو جلياً أن شبكات الجيل الخامس (5G) تطرح في الأسواق مزايا تنافسية جذابة حيث يساهم نشر الشبكات المتنقلة المطوّرة ذات النطاق العريض (eMBB) في الارتقاء بتجربة استخدام الشبكات المتنقلة ذات النطاق العريض إلى مستويات جديدة كلياً. وأدى تنفيذ شبكات الاتصالات ذات المصداقية الفائقة وزمن الانتظار الأقل (uLLRC) وشبكات الاتصالات القائمة على التقنيات الآلية (mMTC) إلى تكوين صورة جديدة عن استخدامات التقنيات الآلية. وهذا ما يجعل لشبكات الجيل الخامس "مزايا رائعة" في حال تم التعامل معها على أنها ترقية للتقنيات المتوفرة مثل شبكات الجيل الرابع ذات النطاق العريض (LTE MBB) والحلول الهامة التي نالت رضا العملاء رغم أنها مطوّرة عن تقنيات سابقة.

لا شك أن شبكات الجيل الخامس (5G) تضع في متناول مزودي الاتصالات تقنيات ثورية قادرة على إحداث نقلة نوعية في هذا القطاع. فمع ظهور شبكات الجيل الثالث (3G)، بدأ بالحديث عن تخفيض قيمة المحتوى المزود عبر الإنترنت (OTT)، كما أحدثت مسألة التخلي عن الشبكات البسيطة ضجة كبرى منذ ذلك الوقت. وأصبح بمقدور مزودي شبكات الاتصالات الاستفادة من شرائح الشبكة لتزويد خدمات الجيل الخامس (5G) المتنوعة بهدف التحوّل من توفير شبكات الاتصالات إلى إدارة المنصات، الأمر الذي يرتقي بتجربة المستخدم إلى مستويات جديدة من التخصيص ويمنح مزودي الاتصالات حصة إضافية عبر سلسلة القيمة.

 

التحديات البارزة أمام تقنيات الجيل الخامس (5G)

رغم أن توفير منصة الاتصالات يمكن أن يترك أثراً كبيراً في قطاع تقنية المعلومات والاتصالات، إلا أن التحدي الجديد البارز يتمثل في كيفية الاستفادة من سلسلة القيمة. فقد يتضمن نموذج العمل الجديد تجميع الخدمات وتمييز الأسعار وفقاً لمستوى التجربة المقدمة وغيرها من الابتكارات غير المسبوقة. وعلاوة على ذلك، تتطلب الخدمات المتنوعة والحلول المخصصة التعاون مع مجموعة من الشركاء مثل مزودي المحتوى عبر الإنترنت (OTT) أو مع مزودي خدمات لم يسبق لهم العمل في هذا القطاع من قبل أو حتى مع أي جهة أخرى بكل ما للكلمة من معنى. لذا، يحتاج مزودو شبكات الاتصالات إلى تطوير كافة الإمكانات التي يحتاجها نموذج العمل الجديد أو تأسيس النظام الإيكولوجي الشامل ووضع قواعد جديدة خلال أقرب وقت ممكن.

وكان أحد عملائنا في اليابان على سبيل المثال قد قرر زيادة حصته في أهم الأسواق وبدأ بتأسيس النظام الإيكولوجي الشامل من خلال التعاون مع شركاء في مجال الإعلام وإنتاج المحتوى والرياضة والسيارات والطب والحياة الرقمية الذكية.  وأثمر هذا التعاون عن طرح حلول المراقبة بكاميرات الفيديو القائمة على تقنيات الجيل الخامس وهي حلول ليست بسيطة كما قد يعتقد البعض. ويبدو جلياً أن السبب وراء طرح مثل هذه الحلول لا يعود أبداً إلى بيع الكاميرات المزودة بتقنيات الجيل الخامس بل يُعزى إلى توفير حلول السلامة وزيادة قدرة الكاميرات على الاستجابة السريعة أثناء حالات الطوارئ وإلى توفير حلول تأمين مصممة حسب الطلب كجزء من اتفاقية التغطية التأمينية. وهذا ما يؤكد لنا أن التحدي الفعلي البارز أمام شبكات الجيل الخامس يتمثل في القدرة على الابتكار وتأسيس علاقات شراكة، وهذا يتطلب المزيد من الوقت والجهد لتعزيز الحلول المطروحة.

رغم أن النظام الإيكولوجي الشامل لشبكات الجيل الخامس لم يصبح جاهزاً بعد وستطرح المعايير الشاملة لشبكات الجيل الخامس في نهاية العام 2019، هذا لا يعني أنه يجب على مزودي شبكات الاتصالات الانتظار حتى ذلك الوقت. وقد بدأ العديد من أهم مزودي خدمات الاتصالات في العالم باكتشاف المزايا التي تقدمها لهم شبكات الجيل الخامس حتى قبل أن يبدأ تنفيذ ونشر هذه التقنيات.

 

الاستفادة من تقنيات الجيل الخامس (5G) في رسم الاستراتيجيات

سارع قادة السوق في منطقة الشرق الأوسط إلى الاستثمار في تقنيات الجيل الخامس (5G). لكن ما الذي يجب فعله من قبل المنافسين لهذا السوق وأتباعها؟ لا شك أنهم بحاجة إلى رسم استراتيجياتهم بما يتوافق مع سياساتهم الخاصة بتقنيات الجيل الخامس.

لقد سارع قادة السوق إلى اكتشاف المزايا التي توفرها شبكات الجيل الخامس وبذلوا قصارى جهودهم لتعزيز مكانتهم في صدارة الأسواق الحالية والجديدة، وهذا ما جعل المنافسين لهذا السوق غير قادرين على الانتظار بل لجؤوا أيضاً إلى تحديد الفرص المتاحة للمنافسة على صدارة السوق. لكن ظهور تقنيات الجيل الخامس القادرة على إحداث نقلة نوعية في السوق أجبرت هؤلاء المنافسين على بذل المزيد من الجهود لتغيير مكانتهم في السوق. وهذا ما حدث تماماً في السوق الأمريكي حيث اندمجت شركة "تي موبايل" مع شركة "سبرينت" بهدف منافسة شركتي "أيه تي آند تي" و"فيرايزون". وبهدف تسريع عملية الاندماج، قدمت شركة "تي موبايل" وعداً بأنها ستضع مسألة تأسيس شبكة الجيل الخامس الأقوى من نوعها على قائمة أولويات استراتيجيتها التنفيذية بعد الاندماج وأنها ستطرح خدمات قائمة على تقنيات الجيل الخامس الأفضل من نوعها في السوق الأمريكي.

لكن ماذا عن أتباع هذا السوق؟ هل يجب عليهم الاكتفاء بالانتظار والمراقبة؟ بالطبع لا! فبغض النظر عمن أطلق تقنيات الجيل الخامس، لا شك أن الموجة الأولى من تقنيات الجيل الخامس ستكون موجهة إلى المنافسين في تقديم الخدمات إلى العملاء (B2C). ولن تحظى الشبكة القديمة غير المزودة بتقنيات الجيل الخامس (5G) بأي فرصة وستكون فرص استمرار أعمال التابعين لهذا السوق مرهونة بتأسيس شبكات الجيل الخامس (5G) جنباً إلى جنب مع المنافسين لهم.

 

لكن ما هو الوقت الأمثل للتحوّل نحو تقنيات الجيل الخامس؟

لقد قدمنا الإجابة على ثلاثة من الأسئلة الهامة وناقشنا الدور الواجب على مزودي الاتصالات القيام به لقيادة مسيرة تطوير تقنيات الجيل الخامس. لكن التحدي الأبرز يتمثل في قدرتنا على إطلاق نموذج جديد للعمل وتأسيس النظام الإيكولوجي الشامل بأقصى سرعة ممكنة. لم يعد أمامنا خيار الانتظار بل حان الوقت الآن لتسريع وتيرة اعتمادك على تقنيات الجيل الخامس بغض النظر عن مكانتك في السوق، ولم يعد مجدياً كذلك الحديث عن الوقت الأمثل للاستثمار في هذه التقنيات.

 

بقلم السيد آن جيان، رئيس مجموعة أعمال "هواوي كارير" لشبكات الاتصالات، "هواوي" الشرق الأوسط